إذا تأملنا وجهاً من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم, وهو إعجازه في أسلوبه وبلاغته فإننا نجد في كل آية من آياته ما يوضح هذا الإعجاز.
- وإذا كان العرب وهم فصحاء بالسليقة قد فطنوا إلى ذلك وتذوقوا سمو أسلوب القرآن فإن العرب اليوم غير العرب بالأمس, فقد بعدوا عن الأساليب العربية الفصيحة، وأصبح ذلك أمراً لا يدركه إلا المتخصصون, وهو لا يساوى ما كان عند العربي الأصيل, وذلك لأسباب اجتماعية وتاريخية وثقافية.
- وليس في إمكان أحد أن يلم في هذا الجانب من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم ولذلك فإن غاية ما يرمى إليه الباحثون في هذا الجانب الفسيح هو الإشارة إلى بعض الأمثلة والشواهد, لأن الإحاطة بكل ما في القرآن من إعجاز أمر فوق طاقة البشر.
- وسأشير إشارات سريعة إلى بعض الأمثلة التي يتضح فيها ما يميز الأسلوب القرآني المعجز من خلال بعض الآيات الكريمة ومجيئها بالأسلوب الإلهي الذي لا يدانيه أسلوب:
1- فمن وجوه إعجاز القرآن في أسلوبه اشتماله على عدة معان في لفظ يسير كما في قوله تعالى:" وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ" سورة القصص , الآية 7.- فقد جمعت الآية أمرين: أرضعيه وألقيه, ونهيين لاتخافى, ولاتحزنى، وبشارتين: رادوه وجاعلوه.
2- وفى قوله تعالى: " فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" سورة القصص,الآية: 8, فاللام في ليكون لام العاقبة والصيرورة ؛ لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين, فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدواً وحزناً، فذكر الحال بالمآل, والالتقاط: وجود الشيء من غير طلب, ولا إرادة, والعرب تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة التقطته التقاطاً, ومنه اللقط, فلم يعبر بالأخذ, وإنما عبر بالالتقاط ؛ لأنه هو الذي يتفق مع نية آل فرعون وبذلك نرى أن كل لفظ وضع في مكانه, ولا يغنى عنه أى لفظ يرادفه في المعنى.
3- وفى قوله تعالى: "مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى " الضحى/3,وحذف الضمير – الكاف – لأمرين:
(أ) اتفاق الفاصلة ليسير الأسلوب على نسق واحد اختصاراً.
(ب) وبيان أن بغض الله لايتصل بنبيهِ تكريماً له, وزجر المدعى وقوعه.
وفى نفى التوديع والقلى, إثبات للقرب والحب, فالأسلوب على وجازته بالغ حد الروعة.
4-نجد الحق سبحانه وتعالى يعرض قضية عند الجاهلية, وهى أنهم كانوا يقتلون أولادهم فيقول:" وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ "الأنعام /151, و في آية أخرى:" وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم " الإسراء/31
- ففي الآية الأولى قدم رزق المخاطبين وهم الآباء على رزق أولادهم لأن الفقر موجود بالفعل,و هو السبب المباشر لقتل الأولاد, و ما دام الفقر موجود بالفعل فالإنسان يكون مشغولا برزق نفسه قبل أن يشغل برزق ولده و هنا يطمئنه الله على رزقه فيقول: نحن نرزقكم يا أصحاب الإملاق و إياهم فنأتي برزقهم أيضا.
- أما في الآية الثانية فالفقر غير موجود بالفعل, و إنما هو متوقع فهم يخافون أن بمجئ الأولاد يأتي الفقر معهم, فيقول تعالى: نحن نرزقهم و أحضر معهم رزقهم, و نرزقكم أنتم.
- فالمخاطب مرة يكون فقيرا بالفعل, و يكون في هذه الحالة مشغولا برزقه قبل أن يشغل برزق ولده, فتكون الآية نحن نرزقكم و إياهم و مرة يكون غنيا ولكنه يخاف الفقر مع الأولاد, ويكون شغله الشاغل رزق الولد فتكون الآية نحن نرزقهم و إياكم.
- و إذا نظرت إلى عجز كل آية مع صدرها وجدت أن ذلك العجز مطلب لذلك الصدر, ولا يمكن أن يستقيم المعنى بتلك الدقة المتناهية إلا باللفظين اللذين ذكرا في الآيتين, فأشارت كل آية إلى ما يناسب ما يدور في ذهن المخاطب.
- وقد بلغ من دقة القرآن الكريم في أسلوبه تلك الخماسيات التي تشمل الفئات السبع التالية في افتتاحيات السور:
الفئة الأولى: خمس سور مفتتحة بالتحميد: الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر، وكلها مكية.
الفئة الثانية: خمس سور مفتتحة بالتسبيح: الحديد، الحشر، الصف، الجمعة، التغابن، وكلها مدنية.
الفئة الثالثة: خمس سور مفتتحة بألف لام راء: يونس, هو، يوسف, إبراهيم, الحجر. وكلها مكية.
الفئة الرابعة: خمس سور مفتحة بالنداء: النساء, العقود, الحج, الحجرات, الممتحنة. وكلها سور مدنية.
الفئة الخامسة: خمس سور مفتتحة بنداء الرسول: الأحزاب، الطلاق, التحريم, المزمل. المدثر. وكلها مكية.
الفئة السادسة: خمس سور مفتتحة بالاستفهام: الدهر, الغاشية, الشرح, الفيل, الماعون. وكلها مكية.
الفئة السابعة: خمس سور مفتتحة بالأمر: الجن، الكافرون, الإخلاص.
-ولقد رأيتُ أخواتي أن أضع بعض الأمثلة التي ذكرها المؤلف في آخر التلخيص:
- وذكر أبو عبيدة أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ ((فاصدع بما تؤمر)).
فسجد الأعرابي وقال: سجدت لفصاحته, وكان موضع التأثير في الآية هو كلمة اصدع: في إبانتها عن الدعوة, والجهر بها, والشجاعة فيها, وكلمة بما تؤمر في إيجازها وجمعها.
- وسمع رجلاً آخر يقرأ:"فلما استيأسوا منه خلصو نجياً" فقال أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام.
- والقرآن الكريم كتاب الهداية، وهو إلى جانب ذلك كتاب البلاغة والفصاحة، وهو المعجزة الخالدة التي لايمكن أن تفنى أسرارها، ولا يحيط بها عقل البشر، ويكفى أنه كلام رب العالمين.
(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)